سيد محمد طنطاوي
218
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أنهم ختموا به ، فلا نبي بعده ، فهو كالخاتم والطابع لهم . ختم اللَّه - تعالى - به الرسل والأنبياء ، فلا رسول ولا نبي بعده إلى قيام الساعة . قال القرطبي : قرأ الجمهور * ( وخاتَمَ ) * - بكسر التاء - بمعنى أنه ختمهم ، أي : جاء آخرهم . وقرأ عاصم * ( وخاتَمَ ) * - بفتح التاء - بمعنى أنهم ختموا به ، فهو كالخاتم والطابع لهم . وقيل : الخاتم والخاتم - بالفتح والكسر - لغتان ، مثل طابع وطابع . . وقد روى الإمام مسلم عن جابر أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون : ما أجمل هذه الدار ، هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء » « 1 » . وقد ذكر الإمام ابن كثير عددا من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون » . ثم قال - رحمه اللَّه - بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره : والأحاديث في هذا كثيرة ، فمن رحمة اللَّه - تعالى - بالعباد إرسال محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إليهم ، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به ، وإكمال الدين الحنيف له ، وقد أخبر - تعالى - في كتابه ، وأخبر رسوله في السنة المتواترة عنه ، أنه لا نبي بعده ، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ، ولو تخرق وشعبذ ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم . . « 2 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( وكانَ اللَّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) * . أي : وكان - عز وجل - وما زال ، هو العليم علما تاما بأحوال خلقه ، وبما ينفعهم ويصلحهم ، ولذا فقد شرع لكم ما أنتم في حاجة إليه من تشريعات ، واختار رسالة نبيكم محمد صلى اللَّه عليه وسلَّم لتكون خاتمة الرسالات ، فعليكم أن تقابلوا ذلك بالشكر والطاعة ، ليزيدكم - سبحانه - من فضله وإحسانه .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 196 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 424 .